مجد الدين ابن الأثير
463
المختار من مناقب الأخيار
وقال : بحسبك أنّ أقواما موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وأنّ أقواما أحياء تعمى الأبصار بالنظر إليهم « 1 » . وقال : يكون الرجل مرائيا في حياته ، مرائيا بعد موته . قيل : كيف يكون مرائيا بعد موته ؟ قال : يحبّ أن يكثر الناس على جنازته « 1 » . وقيل : إنه مرّ يوما على بعض الناس فقال : هذا الرجل لا ينام جميع الليل ، ولا يفطر إلا كلّ ثلاثة أيّام مرّة . فبكى بشر ، فقيل له في ذلك ، فقال : إني لأذكر أني سهرت ليلة كاملة ، ولا أني صمت يوما فلم أفطر من ليلته ، ولكنّ اللّه تعالى يلقي في القلوب أكثر مما يفعله لطفا سبحانه وكرما . وقال : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقال لي : يا بشر ! تدري لم رفعك اللّه تعالى من بين أقرانك ؟ قلت : لا يا رسول اللّه . قال : باتّباعك لسنّتي وحرمتك للصالحين « 2 » ، ونصيحتك لإخوانك ، ومحبّتك لأصحابي وأهل بيتي ، وهو الذي بلّغك منازل الأبرار « 3 » . وروي أنّ رجلا جاءه في ليلة عيد [ الفطر ] أو أضحى ، فقال له : يا أبا نصر ! رأيت في هذه الليلة كأنّ القيامة قد قامت ، والناس في كرب وشدّة ، حتى رأيت دموع الناس تجري دما ، إذ خرج مناد ينادي : أين بشر ؟ وأين أحمد بن حنبل ؟ فأخذوكما فأدخلوكما على اللّه تعالى ، فقال أهل الموقف : إن حوسب هؤلاء هلكنا ؛ وإذا قد خرج علينا ملك من الملائكة ، فقلنا : ما فعل بشر وأحمد ؟ فقال : يحاسبان بقيام الشكر بما منّ [ به ] عليهما من سترهما ، فقال بشر : أما أحد الاثنين فالتقصير قرينه ، وأما الآخر فتشهد له الحقائق بقيامه بالشكر . ثم بكى وقال : ويحك يا بشر ، شدّ حيازيمك فإنك مطلوب « 4 » .
--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 333 . ( 2 ) في تاريخ ابن عساكر : « وخدمتك للصالحين » . ( 3 ) تاريخ ابن عساكر 10 / 52 . ( 4 ) المنتقى لابن خميس 35 أ ، ب ، وما بين معقوفين منه .